الانتقال إلى المحتوى الرئيسي
إعلان إعلان
أخبار دينية

متحف الثقافة اليهودية بفاس.. إمارة المؤمنين والوفاء للذاكرة المغربية

يفتح افتتاح متحف الثقافة اليهودية المغربية بفاس، الاثنين 12 أكتوبر 2026، باباً للتأمل في معنى الوسطية حين تتجسد في صون ذاكرة المجتمع، والعناية بتراث المواطنين الذين أسهموا في تشكيل تاريخه. ففي هذه المدينة، يتيح المتحف التعرف إلى جوانب من الحياة الدينية والاجتماعية والثقافية لليهود المغاربة، ويمنح حضورهم في الذاكرة الوطنية فضاءً للحفظ والمعرفة والتواصل بين الأجيال.
وتستمد هذه المبادرة دلالتها من المسار الذي نشأت فيه؛ فقد أعطى الملك محمد السادس انطلاقة أشغال بناء المتحف في أبريل 2019، ضمن مشاريع تأهيل المدينة العتيقة لفاس وتثمين تراثها. وربط التقديم الرسمي للمشروع بين العناية بالتراث الثقافي والروحي للطائفة اليهودية المغربية، والمحافظة على ثراء مكونات الهوية الوطنية وتنوعها. ومن هذا المدخل، يمكن قراءة المتحف باعتباره تجسيداً ثقافياً لرؤية تجعل حفظ الذاكرة جزءاً من الوفاء للوطن.

إمارة المؤمنين ورعاية التعدد

يمنح موقع إمارة المؤمنين في البناء الدستوري المغربي هذه القراءة أساساً واضحاً. فالفصل 41 يجمع بين صفة الملك أميراً للمؤمنين وحامياً للملة والدين، وبين ضمانه حرية ممارسة الشؤون الدينية. ويتيح اجتماع هاتين المسؤوليتين فهم العناية بالتراث اليهودي المغربي ضمن تصور تتصل فيه المرجعية الدينية للمملكة بحماية ممارسة الشعائر. (المحكمة الدستورية)
وقد عبّر الملك محمد السادس عن هذا المعنى في رسالته إلى المشاركين في افتتاح معبد «صلاة الفاسيين» بفاس، بعد ترميمه، في 13 فبراير 2013. إذ أكد العناية بالتراث الثقافي والروحي لليهود المغاربة، واستحضر، بصفته أميراً للمؤمنين، مسؤوليته عن حماية حرية ممارسة الشعائر، بما فيها اليهودية، ومكانة معتنقيها ضمن المواطنين المغاربة المشمولين بالرعاية الملكية. كما دعا إلى ترميم المعابد اليهودية وإحياء دورها في الحوار الثقافي والتعريف بالقيم الحضارية للمملكة. (Maroc.ma)
وفي ضوء هذا التوجه، يكتسب المتحف معنى يتصل بمسؤولية المجتمع عن حفظ آثار أبنائه وتجاربهم. فصيانة المخطوطات والوثائق والمقتنيات تتيح استمرار المعرفة بحياة أشخاص وعائلات وجماعات، وتمنح الأجيال اللاحقة فرصة لفهم ما جمع المغاربة من أعمال وعادات وتفاعلات، مع التعرف إلى خصوصيات تقاليدهم الدينية.

الرافد العبري داخل الانتماء الوطني

ويعزز هذا المعنى اعتراف دستور 2011 بالرافد العبري ضمن الروافد التي تغني الهوية المغربية. فالتصدير يربط وحدة الهوية الوطنية بتعدد مكوناتها وروافدها، ويقرن مكانة الإسلام بقيم الانفتاح والاعتدال والتسامح والحوار. ومن ثم، يتيح المتحف قراءة ثقافية لهذا الاختيار: التعرف إلى الذاكرة اليهودية المغربية باعتبارها جزءاً من معرفة المغرب بنفسه.
وتمنح المعروضات هذا المعنى وجوهاً وتفاصيل. فعقود الزواج والأزياء والحلي وأدوات الحرف والمخطوطات تفتح نوافذ على الحياة الأسرية والاجتماعية، وعلى تنوع التقاليد بين مناطق البلاد. كما تقدم إعادة تشكيل ورشة لصياغة الحلي، وعرض المنسوجات والآلات الموسيقية، شواهد على مهارات اليهود المغاربة وتعبيراتهم الثقافية، وصلاتهم بالبيئة التي عاشوا فيها.
وتكمن القيمة التربوية لهذه الشواهد في قدرتها على تقريب التاريخ من الإنسان. فحين يتعرف الزائر إلى وثيقة عائلية أو أداة عمل أو لباس احتفالي، يصبح بإمكانه أن يتصور حياة أصحابها، وأن يفهم شيئاً من عاداتهم واهتماماتهم. وبهذا المعنى، يمكن للمتحف أن يسهم في بناء معرفة بالتعدد تستند إلى الوثيقة والتجربة الإنسانية.
ويعزز هذا الأفق اعتماد وسائل سمعية بصرية ورقمية، وفضاءات للأنشطة الموجهة إلى الأطفال والمجموعات المدرسية. وهي إمكانات تمنح المؤسسة فرصة لتحويل حفظ التراث إلى عمل تربوي متواصل، يربط الأجيال الجديدة بذاكرة بلادها.
ومن هنا تبرز الزاوية الأعمق لافتتاح المتحف: الوسطية ممارسة تتجسد في احترام الإنسان، وفي الإنصاف عند رواية تاريخ الوطن، وفي الحرص على نقل ذاكرته بمختلف روافدها. وحين يجد هذا المعنى مكاناً في المتحف والمدرسة والوعي العام، يصبح التعارف معرفةً تتراكم، وتصبح وحدة الانتماء أكثر رسوخاً بقدر ما تتسع لفهم تنوعها.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *