أدب هو الحارس الخفيّ للحب؛ به لا يتحول الشوق إلى فوضى، ولا تتحول المعرفة إلى كِبر.

 

إذا كان الإحسان يقظةً، وكان الحب دفئًا، فإن الأدب هو الميزان.
به تُوزن الأحوال، وبه تُضبط المقامات، وبه يُعرف صدق السالك من دعواه.
فليس كل من بكى عاشقًا، ولا كل من تكلّم عارفًا؛ وإنما يُعرف الرجال بأدبهم.

يقول أهل الطريق: “الطريق كلّه أدب.”
ولم يقصدوا أدب المجالس فحسب، بل أدب القلب قبل اللسان، وأدب السرّ قبل العلن. فالأدب أن تعرف قدرك، وأن تعرف قدر غيرك، وأن لا تتقدم بين يدي الحق بشهوة رأي، ولا بين يدي الخلق بحدّة نفس.

في بدايات السلوك، يتعلم الإنسان الصمت قبل الكلام؛ لأن الصمت يُصفّي الداخل. ثم يتعلم الاستماع؛ لأن من لم يُحسن السمع، لم يُحسن الفهم. ثم يتعلم أن لا يُظهر ما بينه وبين ربّه طلبًا لمدحٍ أو هروبًا من لوم. قيل: “من لم يؤدّبه العلم، أدّبته الأيام.” والأدب علمٌ من نوعٍ خاص؛ علمٌ يُعيد ترتيب النفس حتى لا تتضخم.

الأدب هو الذي يمنع الحب من أن يصير ادعاءً، ويمنع الإحسان من أن يتحول إلى غرورٍ خفيّ. فالسالك إذا شعر بشيء من القرب، خطر له أنه قد بلغ. هنا يتدخل الأدب ليذكّره بأن الطريق أطول من ظنه، وأن كل مقام يفتحه الله هو ابتلاءٌ جديد بالتواضع. ولذلك قالوا: “إذا رأيت نفسك، فاعلم أنك لم ترَ الحق.”

وفي التجربة المغربية، كان الوليّ يُعرف بأدبه قبل كرامته. لم يكن يتعالى بعلمه، ولا يستعرض حاله. كان حضوره هادئًا، وكلامه قليلًا، ونظرته رفيقة. لم يكن الأدب عنده مظهرًا اجتماعيًا، بل أثرًا روحيًا. فإذا دخل مجلسًا، سكن؛ وإذا تكلم، أنصت الناس، لا رهبةً منه، بل احترامًا لسمته.

الأدب أيضًا علاقة مع العالم. أن تمشي فلا تؤذِي، وأن تختلف فلا تُقصي، وأن تنصح فلا تُحرج. هو أن ترى في كل إنسان موضعًا لسترٍ أو عذر. قيل: “من لم يتسع قلبه للخلق، لم يتسع لنور الحق.” لأن القلب إذا امتلأ تكبّرًا، ضاق؛ وإذا امتلأ أدبًا، اتسع.

وللأدب مقامات:
أدب مع الله، فلا تُنازعه حكمه.
وأدب مع النفس، فلا تُطلقها لشهواتها.
وأدب مع الناس، فلا تُثقلهم بحدّة رأيك.
ومن جمع هذه الثلاثة، استقام له الطريق.

في زمنٍ تُرفع فيه الأصوات أكثر مما تُرفع القيم، يصبح الأدب ضرورةً لا زينة. فكم من حقٍّ أُفسد بسوء عرضه، وكم من خيرٍ ضاع لقسوة في أسلوبه. الأدب لا يُضعف الفكرة، بل يُقوّي أثرها؛ لأنه يُدخلها القلوب قبل العقول.

الأدب إذن هو الميزان الذي يحفظ الطريق من الانحراف.
به لا يطغى الحب، ولا يستبدّ الإحسان، ولا يتضخم العلم.
هو سكينة في الهيئة، واعتدال في الكلمة، ووعيٌ بالحدود.

ومن لم يتأدّب، بقي في أول الطريق ولو ظنّ أنه بلغ؛
ومن تأدّب، صار حضوره دعوةً صامتة،
لا تحتاج إلى صخب.

Facebook
WhatsApp