منذ أن طرح شكيب أرسلان سؤاله الشهير: «لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم؟»، ظل سؤال النهضة حاضراً في صميم الفكر العربي والإسلامي. وقد تعددت الأجوبة التي حاولت تشخيص أسباب التأخر، فتوزعت بين من ردّ الأزمة إلى الاستبداد السياسي، ومن حمل الاستعمار مسؤوليتها، ومن رأى في ضعف التعليم والاقتصاد أصل الداء، ومن ذهب إلى أن الخلل يكمن في علاقة المجتمعات العربية والإسلامية بموروثها الديني.
غير أن الحديث عن دور الدين في أزمة المجتمعات العربية يقتضي قدراً كبيراً من الدقة. فالدين، في ذاته، ليس برنامجاً جاهزاً للتخلف أو التقدم، وإنما تتحدد آثاره الاجتماعية والسياسية من خلال طرائق فهمه وتأويله، والمؤسسات التي تتولى تمثيله، والمصالح التي تستثمر رمزيته. لذلك لا ينبغي أن يكون السؤال: هل الدين عائق أمام النهضة؟ بل: كيف جرى التعامل مع الدين؟ وأي تأويلات منه اكتسبت سلطة داخل المجتمع؟ وكيف استُخدم أحياناً لتبرير أوضاع بشرية وتاريخية لا تكتسب القداسة لمجرد إلباسها لباساً دينياً؟
الدين بين وظيفته القيمية وتوظيفه السلطوي
يمثل الدين في المجتمعات العربية مصدراً مركزياً للمعنى والقيم والتضامن الاجتماعي. وهو يسهم في بناء الضمير الفردي والجماعي، ويمنح الإنسان تصوراً عن العدل والمسؤولية والكرامة والعلاقة بالآخر. غير أن هذه الوظيفة الأخلاقية قد تتراجع حين يُختزل الدين في خطاب للطاعة، أو يتحول إلى أداة لإضفاء الشرعية على السلطة السياسية والاجتماعية.
لقد استفادت أنظمة سياسية متعددة، في مراحل مختلفة، من تأويلات تشدد على وجوب الطاعة وتخويف الناس من الفتنة، دون أن تولي العناية نفسها لمبادئ العدل والشورى ومحاسبة المسؤول وصيانة الحقوق. وفي هذه الحالة لا يكون الدين هو الذي ينتج الاستبداد، بل يكون الاستبداد قد انتقى من الموروث ما يساعده على الاستمرار، وهمّش ما يدعو إلى مقاومة الظلم وتحمل الحاكم لمسؤوليته الأخلاقية والسياسية.
وتكمن خطورة هذا الاستخدام في أنه يحول الاجتهاد البشري إلى حقيقة مقدسة، ويخلط بين النص الديني وتأويلاته التاريخية. فالنص ثابت في مرجعيته، أما فهمه فعمل إنساني يتأثر بالزمان والمعرفة والمصالح والبيئة الاجتماعية. وحين يُلغى هذا التمييز، تصبح مراجعة التأويل السائد وكأنها اعتراض على الدين نفسه، ويُغلق باب الاجتهاد باسم حماية المقدس.
إن تحرير الدين من التوظيف السياسي لا يعني إقصاءه عن الحياة العامة، ولا الدعوة إلى قطيعة معه، وإنما يعني منع احتكاره من طرف سلطة أو جماعة أو مؤسسة تدعي امتلاك تفسير نهائي له. فالدين أوسع من أن يتحول إلى جهاز لتبرير الحكم، وأسمى من أن يُختزل في منافسة حزبية أو صراع على النفوذ.
التجديد الديني ليس هدماً للموروث
غالباً ما يُقابَل الحديث عن تجديد الفكر الديني بالتوجس، لأن التجديد يُفهم أحياناً بوصفه تنكراً للتراث أو خضوعاً للثقافة الغربية. غير أن التجديد، في معناه الأصيل، ليس إلغاءً للمرجعية، بل استعادة لقدرتها على الإرشاد داخل واقع متغير. وهو لا يقوم على هدم الموروث، وإنما على التمييز بين ثوابته القيمية واجتهاداته التاريخية.
فالموروث الإسلامي ليس بناءً واحداً مغلقاً، بل هو حصيلة قرون من الاجتهاد والاختلاف والمناظرة وتعدد المدارس الفقهية والكلامية والفلسفية. وقد نشأ كثير من أحكامه وتصوراته في سياقات سياسية واجتماعية تختلف عن السياق المعاصر. ومن ثم فإن الوفاء الحقيقي لهذا الموروث لا يتحقق بتجميده، بل بإحياء روحه الاجتهادية، وإعادة قراءة إنتاجه في ضوء مقاصده وسياقاته التاريخية.
ولا يعني ذلك إخضاع الدين بالكامل لمنطق العصر أو تغيير الأحكام تبعاً لكل تحول اجتماعي، وإنما يعني التمييز بين المقصد والوسيلة، وبين المقدس والتاريخي، وبين ما يمثل قيمة أخلاقية دائمة وما كان جواباً عن ظرف مخصوص. فكل قراءة تلغي التاريخ تحوّل الاجتهاد البشري إلى دين، وكل قراءة تلغي المرجعية تحوّل التجديد إلى قطيعة بلا جذور.
إن الإصلاح الديني المطلوب هو إصلاح في الفهم والمنهج والمؤسسة والخطاب. إنه انتقال من القراءة الجزئية إلى الرؤية المقاصدية، ومن الفتوى المعزولة عن الواقع إلى الاجتهاد المدرك لتعقيداته، ومن خطاب التحريم المستمر إلى خطاب يبني المسؤولية، ومن ثقافة الخوف إلى ثقافة الثقة بالعقل والضمير.
الاستبداد الديني والاستبداد السياسي
أشار مفكرون إصلاحيون، وفي مقدمتهم عبد الرحمن الكواكبي، إلى الصلة الوثيقة بين الاستبداد السياسي وبعض أشكال الاستبداد الديني. فحين تحتكر فئة معينة حق تفسير المقدس، وتمنع المجتمع من المناقشة والمراجعة، فإنها تؤسس سلطة رمزية يمكن أن تلتقي مع السلطة السياسية في مقاومة التغيير.
وقد لا يكون هذا التحالف معلناً دائماً؛ فقد يتحقق من خلال توزيع ضمني للأدوار: تمنح المؤسسة الدينية غطاءً أخلاقياً للنظام السياسي، بينما يوفر لها النظام النفوذ والحماية. والنتيجة هي تراجع الوظيفة النقدية للدين، وتحوله من قوة أخلاقية تُذكّر الحاكم بحدوده إلى خطاب يطالب المحكومين بالصبر والطاعة.
غير أن المسؤولية لا تقع على المؤسسات الدينية وحدها. فجزء من الأزمة مرتبط أيضاً بطبيعة الدولة والتعليم والإعلام والفضاء العام. عندما تغيب الحرية، ويضعف النقاش العلمي، ويُحاصر الاجتهاد، تنتشر القراءات المغلقة، لأنها تقدم أجوبة بسيطة ونهائية عن أسئلة اجتماعية شديدة التعقيد.
ولهذا لا يمكن إنجاز إصلاح ديني حقيقي داخل بيئة سياسية ترفض النقد. كما لا يمكن بناء نظام سياسي حديث إذا ظلت المرجعيات الدينية تُستعمل لنزع الشرعية عن الاختلاف، أو لتقسيم المواطنين بحسب درجة امتثالهم لتفسير ديني محدد. فالإصلاح الديني والإصلاح السياسي مساران متلازمان: الأول يحرر الضمير من الوصاية، والثاني يحرر المواطن من الاستبداد.
بين القطيعة والاستعادة الانتقائية
انقسم الفكر العربي الحديث في تعامله مع الموروث الديني بين اتجاه دعا إلى القطيعة معه بوصفه عائقاً أمام الحداثة، واتجاه رأى أن النهضة لا تتحقق إلا باستعادة الماضي كما كان. لكن التجربتين أظهرتا حدود هذا التقابل.
فالقطيعة الكاملة تتجاهل أن الدين جزء عميق من الهوية الاجتماعية والوجدانية للمجتمعات العربية، وأن أي مشروع إصلاح لا يتواصل مع هذه المرجعية سيظل محدود الأثر، مهما كانت وجاهة مفاهيمه النظرية. كما أن الاستعادة الحرفية للماضي تتجاهل تغير الاجتماع والسياسة والاقتصاد والمعرفة، وتفترض إمكان نقل حلول تاريخية إلى واقع مختلف جذرياً.
المخرج لا يكمن في الاختيار بين استبعاد الدين أو استنساخ الماضي، بل في بناء علاقة نقدية بالموروث: علاقة تحترم مرجعيته دون أن تعطل العقل، وتستفيد من قيمه دون أن تقدس شروط إنتاجه التاريخية، وتربط الاجتهاد بحاجات الإنسان المعاصر.
لقد حاول مفكرون من اتجاهات متعددة، مثل محمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي ومحمد أركون، إعادة التفكير في هذه العلاقة، وإن اختلفت مناهجهم ومرجعياتهم. جمع بينهم الوعي بأن الأزمة لا تكمن فقط في وجود الموروث، بل في الكيفية التي يُقرأ بها، وفي السلطات التي تتحدث باسمه، وفي عجز الفكر الديني عن بناء صلة منتجة بين النص والواقع.
المثقف ومسؤوليته في الإصلاح الديني
لا يقتصر الإصلاح الديني على العلماء والفقهاء، كما لا يستطيع المثقف إنجازه من خارج المعرفة الدينية. فهو مجال يحتاج إلى تعاون بين علوم الشريعة والتاريخ والفلسفة والاجتماع والأنثروبولوجيا واللسانيات. ومن هنا تتحدد مسؤولية المثقف في تحرير النقاش الديني من الثنائية السطحية التي تقابل بين الإيمان والعقل، أو بين التراث والحداثة.
المثقف مطالب أولاً بنقد الاستخدام الأيديولوجي للدين، سواء صدر عن السلطة أو عن الحركات السياسية أو عن الخطابات المتشددة. كما أنه مطالب بعدم السقوط في ازدراء التدين الشعبي أو التعامل مع المؤمنين باعتبارهم عائقاً أمام التقدم. فالنقد الذي يهين معتقدات المجتمع لا يبني وعياً، بل يوسع الهوة بين النخبة والجمهور ويترك المجال للخطابات الأكثر تشدداً.
إن وظيفة المثقف ليست محاربة الدين، بل الدفاع عن حق المجتمع في فهمه خارج الوصاية والاحتكار. وعليه أن يكشف الفرق بين الدين باعتباره مرجعية أخلاقية وبين توظيفه بوصفه أداة للهيمنة. كما ينبغي له أن يفتح المجال أمام الأسئلة الصعبة: علاقة الدين بالدولة، وحدود السلطة الدينية، وحقوق المرأة، وحرية الاعتقاد، والمواطنة، والتعدد المذهبي، ومكانة العلوم الحديثة.
غير أن هذا الدور يتطلب شجاعة معرفية واستقلالاً عن الاستقطابات السياسية. فالمثقف الذي يبرر مواقف السلطة باسم الاستقرار، أو يتبنى خطاب المعارضة باسم القداسة، يفقد وظيفته النقدية في الحالتين. الإصلاح يحتاج إلى مثقف يزن الأفكار بمعيار الحقيقة والمصلحة العامة، لا بمعيار قربها أو بعدها عن مراكز النفوذ.
نحو مرجعية دينية حاضنة للمواطنة
لا يمكن للمجتمعات العربية أن تدخل الحداثة من باب الاستهلاك التقني وحده. فامتلاك الأجهزة الحديثة لا يعني امتلاك عقلية الحداثة، كما أن بناء المؤسسات لا يكفي إذا ظلت تحكمها ثقافة الوصاية والإقصاء. والتحديث الحقيقي يقتضي إعادة بناء العلاقة بين الإنسان والسلطة والمعرفة والدين.
في هذا السياق، يمكن للمرجعية الإسلامية أن تكون رافعة للإصلاح حين تُستعاد من خلال قيم العدل والكرامة والحرية والمسؤولية وحفظ المصالح. فهذه القيم لا تتعارض مع المواطنة الحديثة، بل يمكن أن تمنحها عمقاً أخلاقياً واجتماعياً. أما حين يُختزل الدين في مراقبة السلوك الفردي، ويغيب حضوره عن قضايا الفساد والظلم والتفاوت والإقصاء، فإنه يفقد جانباً أساسياً من رسالته.
إن المرجعية الدينية الإصلاحية لا تميز بين المواطنين في الحقوق والواجبات على أساس المذهب أو درجة التدين، ولا تجعل الولاء السياسي مقياساً للإيمان. وهي لا تعارض حرية الإنسان، لأن المسؤولية الدينية نفسها لا يكون لها معنى من دون إرادة واختيار.
ولذلك ينبغي الانتقال من خطاب ديني يركز على حماية الجماعة من الاختلاف إلى خطاب يحمي حق الاختلاف داخل الجماعة. فالاختلاف ليس بالضرورة تهديداً للوحدة، بل قد يكون دليلاً على حيوية المجتمع وقدرته على إنتاج الحلول. وما يهدد الوحدة فعلاً هو تحويل رأي بشري واحد إلى معيار وحيد للحقيقة والانتماء.
التعليم الديني بوابة الإصلاح
يبقى إصلاح التعليم أحد الشروط الحاسمة لأي تجديد ديني. فالمناهج القائمة على التلقين وحفظ الأجوبة الجاهزة لا تصنع وعياً دينياً ناضجاً، بل تنتج علاقة سلبية بالمعرفة. المطلوب هو تعليم يربط النص بسياقه، ويعرّف بتاريخ الاختلاف الفقهي والفكري، ويعلم المتلقي أن تعدد الاجتهادات لم يكن انحرافاً عن الإسلام، بل مظهراً من مظاهر ثرائه.
كما ينبغي إدماج العلوم الإنسانية في تكوين الفاعلين الدينيين، حتى يتمكنوا من فهم التحولات الاجتماعية والنفسية والاقتصادية التي تؤثر في حياة الناس. فمعرفة النصوص، على ضرورتها، لا تكفي لإصدار أحكام متوازنة في قضايا الأسرة والاقتصاد والطب والتكنولوجيا والعلاقات الدولية.
وفي المقابل، يحتاج المثقفون والباحثون في العلوم الإنسانية إلى معرفة أكثر دقة بالتراث الديني، حتى لا تتحول دعوتهم إلى الإصلاح إلى أحكام عامة ومختزلة. فالتجديد الجاد لا يصدر عن الجهل بالموروث، بل عن التمكن منه والقدرة على مساءلته من داخله وفي ضوء المعارف الحديثة.
الإصلاح بوصفه مصالحة واعية
لا يمكن الحسم في مسألة التأخر الحضاري للمجتمعات العربية بإلقاء المسؤولية كاملة على الدين، كما لا يجوز إعفاء أنماط التدين والتأويل والمؤسسات الدينية من النقد. فالمشكلة لا تكمن في الإيمان، بل في انتقال بعض القراءات البشرية من مجال الاجتهاد إلى مجال الحقيقة المطلقة، وفي استعمال المقدس لإغلاق النقاش وحماية موازين القوة.
الإصلاح الديني المنشود ليس مشروعاً لمحو الهوية، وإنما هو مصالحة واعية بين الإيمان والعقل، وبين النص والتاريخ، وبين المرجعية الإسلامية ومقتضيات المواطنة الحديثة. وهو مشروع يعيد إلى الدين وظيفته الأخلاقية والتحريرية، بدلاً من تركه أسيراً للتوظيف السلطوي أو الصراع الأيديولوجي.
وعلى المثقف العربي أن يدرك أن معركة الإصلاح ليست ضد الدين، بل ضد احتكاره وتجميده واستعماله لإخضاع الإنسان. كما ينبغي للمؤسسة الدينية أن تدرك أن حماية المرجعية لا تتم بإغلاق باب السؤال، وإنما بتجديد أدوات الفهم، واستعادة قيمة الاجتهاد، والتفاعل المسؤول مع حاجات المجتمع.
بعد أكثر من قرن على سؤال شكيب أرسلان، لم تعد الإجابة كامنة في المفاضلة المجردة بين الإسلام والغرب، أو بين الأصالة والحداثة. إنما تكمن في قدرة المجتمعات العربية على بناء وعي ديني يجمع بين الوفاء للثوابت والشجاعة في المراجعة، ويجعل من الدين قوة للعدل والتحرر والمسؤولية، لا أداة لتقديس الواقع القائم.
فحين يتحرر الدين من الاستعمال السياسي، ويتحرر العقل من الخوف، ويتحرر المثقف من التردد، يصبح الإصلاح الديني مدخلاً إلى إصلاح المجتمع والدولة والإنسان.