وسطية_ابن أبي البركات
أما بعد، فإن الفتوى ولايةٌ من أجلِّ ولايات الدين، وأمانةٌ من أعظم الأمانات، إذ هي إخبارٌ عن حكم الله تعالى في الوقائع، وتنزيلٌ لأدلته على الحوادث، والمفتي فيها – على ما قرره أهل الأصول – موقِّعٌ عن رب العالمين، فلا يحلُّ أن يُتَصدَّر لها إلا من استكمل آلة النظر، وأحاط بأصول الاستنباط، وتمكّن من تخريج الفروع على أصولها، وأدرك مقاصد الشريعة في جلب المصالح ودرء المفاسد، وميّز بين القطعي والظني، والثابت والمتغير، والمعتبر والملغى
ولمّا كانت الفتوى بهذا المقام الجليل، لم تُترك في المملكة المغربية نهبًا للاجتهادات المتفرقة، ولا مجالًا للتنازع في الدين، بل استقر العمل – على ما جرى به التنظيم الدستوري والشرعي – أن أمر الإفتاء في القضايا العامة يُردّ إلى المجلس العلمي الأعلى، تحت رئاسة أمير المؤمنين، صيانةً لوحدة المرجعية، وحفظًا لجماعة المسلمين، وسدًّا لباب الاختلاف المذموم الذي يفضي إلى اضطراب القول في أحكام الشرع. وليس هذا الحصر تضييقًا على الاجتهاد، كما قد يتوهمه من قصر نظره، بل هو من تمام رعايته؛ إذ الاجتهاد إذا انفلت من عقاله، وتفرّق في الأفراد بلا جامعٍ ضابط، آل إلى التنازع، وفتح باب القول على الله بغير علم.
وقد أُنشئت الهيأة العلمية المكلفة بالإفتاء في حضن المجلس العلمي الأعلى، لتكون موضع النظر في النوازل ذات الصبغة العامة، فتُعرض عليها المسائل بعد تحرير محلها، وتُستقرأ أدلتها من الكتاب والسنة، وما استقر عليه العمل في المذهب المالكي، مع استحضار قواعده المحكمة، من اعتبار المصالح المرسلة، وسدّ الذرائع، ومراعاة الخلاف حيث يُخشى من إلغائه مفسدة، وتحقيق المناط في الوقائع، وتنقيحه عند الاشتباه، وتخريجه على أصوله المعتبرة.
ولا يُصار إلى إصدار الفتوى في هذا المقام إلا بعد مدارسةٍ جماعية، تتولاها لجانٌ علمية متخصصة، تُعنى بتحرير الأقوال، وبسط الأدلة، وبيان وجوه الاستدلال، والنظر في المآلات والعواقب، على مقتضى ما قرره أئمة المذهب من أن الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوره، وأن تنزيل الأحكام على الوقائع يفتقر إلى فقهٍ مزدوج: فقهٍ في النص، وفقهٍ في الواقع. ثم تُرفع تلك التقارير إلى مجلس الهيأة، فيتداولها أعضاؤه، ويوازن بعضهم بعضًا، وتُمحّص الأقوال تمحيصًا، حتى يخلصوا إلى قولٍ تجتمع عليه كلمتهم، إذ قد تقرر في نظامهم أن الفتوى لا تصدر إلا بإجماع الأعضاء، احتياطًا للدين، وتحرزًا من الشذوذ، وتحصيلًا لمقصد الجماعة الذي هو – في مثل هذه المواطن – أقرب إلى الصواب وأبعد عن الزلل.
ثم تُحرَّر الفتوى في قرارٍ مضبوط العبارة، بيّن الدلالة، يُذكر فيه موضوعها، وتُحرر حيثياتها، ويُستند فيها إلى أدلتها الشرعية، ويُضبط منطوقها بما يرفع الإشكال ويقطع الاحتمال، على سنن فقهاء المالكية في فتاويهم، إذ كانوا يجمعون بين دقة المعنى ووضوح اللفظ، فلا يغرّبون في العبارة، ولا يُلبسون على المستفتي، بل يقصدون البيان والهداية. وتُرقم هذه القرارات وتؤرخ، وتُدوّن في سجل خاص، حفظًا لها من الضياع، وتوثيقًا لها لتكون مرجعًا في النوازل اللاحقة، ثم تُبلَّغ إلى أعضاء المجلس العلمي الأعلى قبل إذاعتها، ليكون الأمر على علمٍ جماعيٍّ، لا على اجتهادٍ منفرد.
وهذا المسلك المؤسسي في الإفتاء ليس بدعًا في تاريخ الفقه المغربي، بل هو امتدادٌ لما درج عليه فقهاء النوازل في المغرب والأندلس، حيث كانوا يعرضون القضايا العظمى على جماعة العلماء، ويتشاورون فيها، ويُراعون أحوال الناس وأعرافهم، ويعتبرون مآلات الأفعال، ولا يقفون عند ظاهر النصوص دون فقه عللها ومقاصدها. فإن الفقه – عند أهل التحقيق – ليس جمودًا على حرفٍ، ولا وقوفًا عند ظاهرٍ مع إهمال المقصد، بل هو نظرٌ في مجموع الأدلة، وجمعٌ بين النص والمعنى، وتحقيقٌ للمصلحة المعتبرة شرعًا، مع لزوم جماعة المسلمين، والبعد عن مسالك التفرق.
وبذلك يتجلى أن الفتوى في هذا الإطار ليست قولًا مرسلًا، ولا جوابًا عابرًا، بل هي اجتهادٌ جماعيٌّ منضبط، يُراعى فيه ثبوت النص، وصحة الاستدلال، وتحقيق المناط، واعتبار المآل، في ظل إمارة المؤمنين التي بها انتظمت كلمة الأمة، واستقرت مرجعيتها، واندرأ عنها التنازع في الدين. فمن رام الإفتاء خارج هذا السياق، أو استسهل القول في النوازل العامة دون ردّها إلى أهلها، فقد عرّض نفسه للزلل، وفتح بابًا كان من الواجب سده، إذ لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها: علمٌ راسخ، وجماعةٌ جامعة، وإمامةٌ قائمة على حفظ الدين وصيانته، وإقامة العدل في تنزيل أحكامه.