توقفت خطبة الجمعة بمساجد المملكة، اليوم، عند معنى عميق من معاني الحج، هو كونه مدرسة لتربية المؤمن على الإخلاص والتفويض ؛ فالحج لا يُختزل في انتقال الجسد إلى المشاعر المقدسة، ولا في أداء المناسك على صورتها الظاهرة فحسب، بل هو سفر للقلب نحو الله، وتجديد لمعنى العبودية حين يتخفف الإنسان من أثقال العادة، ومن زينة المظاهر، ليقف بين يدي ربه بقصد صافٍ وتسليم صادق. وقد جاء موضوع الخطبة بعنوان: «من مقاصد الحج الإخلاص والتفويض» ، في خطبة الجمعة ليوم 20 ذي القعدة 1447هـ الموافق لـ8 ماي 2026م
وتبرز أهمية هذا الموضوع في كونه يعيد المسلم إلى جوهر العبادة: أن يكون العمل لله، وأن لا تتحول الطاعات إلى صور خارجية خالية من روحها. فالإخلاص، كما يذكّر به الحج، ليس معنى نظريًا، بل مجاهدة يومية للنفس حتى لا تطلب بعملها نظر الناس ولا ثناءهم، وحتى يبقى قصدها متوجهًا إلى الله وحده. فالحاج حين يلبّي، ويطوف، ويسعى، ويقف بعرفة، يتعلم أن أعظم ما يحمله إلى ربه ليس مظهره ولا ماله ولا منزلته، وإنما صدق نيته وصفاء قلبه.
أما التفويض، فهو الوجه الآخر لهذا السفر الروحي. فالحج يعلّم المؤمن أن يأخذ بالأسباب، ويتهيأ، ويسافر، ويتحمل المشقة، لكنه في النهاية يسلّم أمره لله، مطمئنًا إلى حكمته ورحمته. والتفويض لا يعني ترك العمل أو الاستسلام للعجز، بل يعني أن يبذل الإنسان وسعه، ثم يترك النتائج لله بقلب ساكن، بعيد عن القلق المفرط والتعلق المرضي بالأسباب.
ومن هذه الزاوية، تكشف خطبة اليوم أن الحج ليس عبادة موسمية تنتهي بانتهاء المناسك، بل مدرسة تربوية تمتد آثارها إلى حياة المؤمن كلها. فمن تعلم في الحج الإخلاص، صار أصدق في عمله ومعاملته. ومن تعلم التفويض، صار أكثر طمأنينة في ابتلائه وسعيه وانتظاره. ومن أدرك أن العبودية ليست في الحركة وحدها، بل في حضور القلب، فهم أن الدين لا يطلب من الإنسان شكل العبادة فقط، بل يريد أن يصنع منه قلبًا أنقى، ونفسًا أهدأ، وسلوكًا أرحم.
وتأتي هذه المعاني في زمن تكثر فيه المظاهر، وتتسارع فيه الأحكام، ويقوى فيه تعلق الناس بالنتائج القريبة. لذلك يعيد الحج ترتيب علاقة الإنسان بنفسه وربه والناس؛ يذكّره بأن السكينة لا تأتي من كثرة الامتلاك، بل من حسن التوجه إلى الله، وأن العمل لا يزكو إلا إذا خلصت النية، وأن القلب لا يستريح إلا إذا أحسن الثقة بتدبير ربه.
وهكذا، فإن خطبة الجمعة لهذا اليوم تفتح أمام المؤمن بابًا للتأمل في الحج باعتباره عبادة جامعة بين الفقه والسلوك، وبين الامتثال الظاهر والتزكية الباطنة. فالمناسك تعلم النظام، والمشقة تعلم الصبر، والتجرد يعلم التواضع، والإخلاص يطهّر القصد، والتفويض يحرر القلب من الخوف الزائد. ومن اجتمعت له هذه المعاني، عاد من الحج، أو استقبل موسمه، وهو أكثر فهمًا لحقيقة الطريق إلى الله: عملٌ صادق، وقلبٌ مفوّض، وسكينةٌ لا تنطفئ بانتهاء الشعائر.