لم تكن السيرة النبوية في المغرب مجرد صفحات تُقرأ في كتب التاريخ، ولا حكاية تُستعاد في المناسبات الدينية، بل كانت روحًا تسري في وجدان المغاربة، ومرجعًا أخلاقيًا تستلهم منه الدولة شرعيتها، ويهتدي به العلماء في رسالتهم، ويتربى على أنواره الناس في المساجد والزوايا والبيوت.
ومنذ قيام الدولة المغربية في عهد الأدارسة، ارتبط تاريخ المغرب بمحبة آل البيت والتعلق برسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم تعاقبت الدول والعهود، وبقيت هذه المحبة راسخة في الضمير المغربي، تعبّر عن نفسها في العناية بكتب السيرة والشمائل، وإكرام العلماء، وإحياء ذكرى المولد النبوي الشريف، وتشجيع المديح والسماع، ونسخ المصاحف والمؤلفات التي تعرّف بأخلاق النبي وهديه.
لقد أدرك السلاطين المغاربة أن السيرة النبوية ليست معرفة بالماضي فحسب، وإنما هي مدرسة في الحكم والعدل والرحمة وصيانة كرامة الإنسان. ففي سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم يجد الحاكم معنى الأمانة، ويجد العالم واجب البيان، ويجد المجتمع قيم التراحم والتكافل والوفاء بالعهد.
ولهذا حظيت مؤلفات مغربية في السيرة والشمائل بمكانة خاصة داخل القصور والمساجد والزوايا، وفي مقدمتها كتاب «الشفا بتعريف حقوق المصطفى» للقاضي عياض، الذي غدا من أعظم ما صنّفه علماء المغرب في بيان مكانة الرسول صلى الله عليه وسلم وحقوقه وشمائله. كما توارث المغاربة قراءة «دلائل الخيرات» للإمام محمد بن سليمان الجزولي، فامتزج ذكر النبي بحياتهم اليومية، وصارت الصلاة عليه وردًا تتآلف حوله القلوب.
وفي عهد الدولة العلوية الشريفة، ازدادت هذه العناية رسوخًا واتصالًا بمؤسسة إمارة المؤمنين؛ إذ لم يكن الانتساب إلى البيت النبوي مجرد شرف في النسب، بل مسؤولية في حفظ الدين، وصيانة وحدة الأمة، ورعاية العلماء، وإقامة الشعائر، وربط المغاربة بالقيم الجامعة التي جاء بها الرسول الكريم.
وقد حافظ ملوك الدولة العلوية على إحياء المناسبات الدينية، وفي مقدمتها ذكرى المولد النبوي الشريف، في مجالس تجمع تلاوة القرآن الكريم، والذكر، والصلاة على النبي، وسرد جوانب من سيرته العطرة. وهي مجالس لا تقف عند حدود الاحتفاء، بل تجدد العهد الأخلاقي مع النبوة، وتذكّر بأن محبة الرسول صلى الله عليه وسلم لا تكتمل إلا باتباع سنته والاقتداء برحمته وعدله وحسن خلقه.
ويواصل أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس هذا الامتداد الروحي والحضاري، من خلال رعاية الشأن الديني، والعناية بالقرآن الكريم والحديث النبوي، وتأهيل العلماء والأئمة والمرشدين والمرشدات، وإحياء الدروس الحسنية والمناسبات الدينية، بما يحفظ للمغرب نموذجه القائم على المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية والتصوف السني وإمارة المؤمنين.
إن العلاقة بين السيرة النبوية والسلاطين المغاربة ليست مجرد علاقة بين الدين والسلطة، بل هي مسار تاريخي تشكّلت داخله الشخصية المغربية. فمن نور السيرة استمد المغرب معاني البيعة والأمانة والعدل، وبمحبة النبي اجتمعت القلوب على ثوابته، وحول إمارة المؤمنين حافظ على وحدته الدينية والوطنية.
ولذلك ظلت السيرة النبوية في المغرب ذاكرة حية لا تنطفئ: تُتلى في المساجد، وتُنشد في الزوايا، وتُدرّس في المجالس، ويجدد ملوك المغرب العهد معها جيلًا بعد جيل؛ لأن الأمة التي تحفظ سيرة نبيها تحفظ ميزانها الأخلاقي، والدولة التي تستلهم قيم النبوة تجعل من الحكم أمانة، ومن خدمة الدين والوطن عهدًا لا ينقطع.
شاهدوا في الفيديو المرفق كيف جعل السلاطين المغاربة من محبة الرسول صلى الله عليه وسلم أساسًا روحيًا للحكم، وذاكرة جامعة بين العرش والشعب.
