بقلم ابن السر الرباني  

ثمة لحظةٌ في حياة الإنسان، لا يراها أحد.
لحظةٌ ينطفئ فيها الضجيج الخارجي، ويعلو ضجيج الداخل.
لحظةٌ يكتشف فيها أن المعرفة لم تُطفئ قلقه، وأن الامتثال الظاهري لم يمنحه السكينة، وأن كثرة الكلام عن الله لا تعني القرب منه.

هناك، في تلك العتمة الدقيقة بين السؤال والدمعة، يبدأ التصوف.

ليس التصوف هروبًا من العالم، بل مواجهةٌ أكثر قسوةً معه. مواجهةٌ للنفس حين تتخفّى خلف يقينها، وتختبئ داخل صلاحها المزعوم، وتُقنع صاحبها أنه قد بلغ، بينما هو لم يبدأ بعد. التصوف هو لحظة انكشاف: حين يسقط القناع بين العبد وربه، فلا يبقى إلا الضعف العاري، والرجاء الصافي.

في التجربة المغربية، لم يكن التصوف حكاية زوايا فحسب، ولا أناشيد تتردد في ليالٍ عامرة بالذكر. لقد كان ـ في عمقه ـ هندسةً خفية للروح الجماعية. حين كان الفقه يُنظّم الحياة، كانت الزاوية تُنظّم القلب. وحين كانت الدولة تُدبّر المجال، كان المتصوف يُدبّر المعنى. من هنا تخلّق توازنٌ نادر: لا إفراط يلتهم العقل، ولا تفريط يُفرغ الإيمان من مهابته.

لقد فهم أعلام التربية الروحية، من أبو الحسن الشاذلي إلى أحمد التيجاني، أن أخطر ما يُصيب الدين ليس الجهل به، بل التديّن بلا إحسان. أن تتحول العبادة إلى عادة، والعلم إلى سلطة، والهوية إلى سلاح. فكان مشروعهم إعادة الإنسان إلى مركزه: قلبٌ يقظ، ونفسٌ مُراقِبة، وروحٌ تعرف هشاشتها أمام المطلق.

التصوف، في جوهره، ليس طريقًا نحو الكرامات، بل نحو الكسر. كسر الأنانية التي تتزيّن بثوب التقوى، وكسر العنف الذي يتخفّى خلف الغيرة، وكسر القسوة التي تلبس لبوس الحق. إنه تربيةٌ على أن ترى نفسك دائمًا في مقام التقصير، وأن ترى غيرك في مقام العذر.

ولذلك كان فضل التصوف أنه حمى التدين المغربي من التحول إلى صراع. حين اشتدّت رياح الأفكار الوافدة، بقيت في عمق المجتمع ذاكرةٌ روحية تقول: “الدين سكينة قبل أن يكون معركة”. هذه الذاكرة لم تُكتب كلها في الكتب، بل سكنت في الأمثال، وفي الأدعية التي تهمس بها الجدّات، وفي خشوع البسطاء وهم يرفعون أكفهم في الفجر

في زمن الصورة السريعة، والخطاب العالي، واليقين المتسرّع، يبدو التصوف كأنه تيارٌ هادئ تحت سطح النهر. لا يُرى، لكنه يحمل الماء كلّه. إنه تذكيرٌ دائم بأن الإنسان أكبر من أدواره، وأعمق من شعاراته، وأضعف من أن ينجو وحده.

«وسطية» وهي تفتح هذا الأفق، لا تدعو إلى تصوفٍ منغلقٍ في طقوسه، ولا إلى رومانسية روحية منفصلة عن الواقع. إنها تدعو إلى استعادة البعد الإحساني في الحياة العامة: أن يكون الخطاب رحيمًا، وأن يكون الاختلاف مهذّبًا، وأن يكون التدين طريقًا لإصلاح الذات قبل محاسبة الآخرين.

لأن التصوف، في النهاية، ليس أن تتكلم كثيرًا عن الله،
بل أن يصير حضورُه في قلبك مانعًا لك من أن تجرح أحدًا.

وهذا هو فضله الأعظم:
أن يُعيد للإنسان قلبه…
حين يكاد يفقده

Facebook
WhatsApp