يُعدّ المذهب المالكي أحد أهم الأعمدة التي تشكّلت عليها الشخصية الدينية المغربية عبر التاريخ، ولم يكن اختياره في المغرب مجرد تبنٍّ فقهي عابر، بل كان اختيارًا حضاريًا ومؤسساتيًا أسهم في بناء الاستقرار، وتوحيد المرجعية، وتنظيم الحياة العامة في مجالات العبادات والمعاملات والعادات والآداب الاجتماعية. ولذلك ارتبط حضور المذهب المالكي في التجربة المغربية بمفاهيم تتجاوز الفقه الضيق إلى الوحدة الوطنية، والانسجام المجتمعي، والأمن الروحي، وحسن تدبير الاختلاف.

وتؤكد المعطيات التاريخية أن المغرب، شأنه شأن مناطق أخرى من الغرب الإسلامي، عرف في بداياته تعددًا في الاتجاهات والمذاهب، قبل أن يستقر تدريجيًا على المذهب المالكي. وقد ارتبط هذا الاستقرار بعدة عوامل، في مقدمتها رحلات المغاربة إلى الحجاز لطلب العلم، واتصالهم المباشر بعلماء المدينة المنورة، ثم عودة هؤلاء العلماء إلى المغرب حاملين معهم “الموطأ” ومرويات الإمام مالك وأصول مذهبه. كما كان للعهد الإدريسي دور حاسم في ترسيم هذا التوجه، حين أصبح المذهب المالكي مرجعية رسمية للدولة الناشئة، وتدعمت مكانته مع قدوم العلماء من القيروان والأندلس، ثم مع ازدهار جامع القرويين بوصفه مركز إشعاع علمي ومذهبي . ولم يكن هذا الانتشار وليد الإكراه، بل استفاد من عوامل عميقة جعلت المالكية أقرب إلى المزاج المغربي؛ من أبرزها مكانة الإمام مالك العلمية والرمزية، وارتباطه بالمدينة المنورة، وتشديده على الكتاب والسنة، ثم الطابع العملي الواقعي للمذهب، وقربه من الأعراف السليمة وأحوال الناس.

ولا يُفسَّر اختيار المغرب للمذهب المالكي فقط بعوامل تاريخية، بل أيضًا بخصائص داخلية جعلته مؤهلاً لأن يكون فقهًا جامعًا للدولة والمجتمع، إذ جمع بين الرواية والدراية، وبين النقل والعقل، وبين النص والاجتهاد، واتسم بالواقعية والتوسط والسعة والعمق والتوازن، فضلًا عن قدرته على التجدد والاستمرار. وقد جعلته هذه الخصائص صالحًا للتعامل مع الوقائع المتجددة دون أن يفقد صلته بالأصول، ولذلك لم يكن المالكي مجرد تراث فقهي محفوظ، بل أصبح منهجًا في تدبير الحياة، بما يمنحه من أدوات للاجتهاد وتنزيل الأحكام، ومراعاة المقاصد، والتفريق بين المجالات التي يغلب فيها الاحتياط، كقضايا العبادات والدماء والفروج، والمجالات التي يراعى فيها التيسير، خصوصًا في المعاملات.

وتكشف التجربة المغربية أن قوة المذهب المالكي لم تكن فقط في فروعه، بل في أصوله الكبرى التي جعلته مذهبًا قادرًا على تحقيق التوازن بين الاستقرار والمرونة. فقد اعتبر عمل أهل المدينة حجة قوية، لما يمثله من امتداد عملي لسنن النبي ﷺ وفهم الصحابة والتابعين، وطوّر المغاربة هذا المعنى فيما عُرف بقاعدة “ما جرى به العمل”، أي اعتماد ما استقر عليه القضاء والفتوى في بيئة معينة لمصلحة أو ضرورة معتبرة. كما توسع المالكية في اعتبار المصالح المرسلة، وهي الوقائع التي لم يرد فيها نص خاص بالإثبات أو الإلغاء، لكن يظهر فيها معنى مناسب يحقق الخير ويدفع الضرر، وهو ما أسهم في ترسيخ ثقافة فقهية تميل إلى الإصلاح، وتراعي تغير الأحوال، وتسمح بتدبير الشأن العام بروح عملية متوازنة.

وقد كان لتوحيد المرجعية الفقهية في المغرب أثر بالغ في حفظ وحدة المجتمع والدولة، إذ حين تجتمع الأمة على مذهب فقهي منضبط، تقل مساحات الفوضى، وتخف حدة الصراعات، ويسهل بناء الثقة بين السلطة والعلماء والناس. ومن هنا ارتبط تاريخ المالكية بفكرة جمع الكلمة، وطاعة ولي الأمر في المعروف، وتقديم الاستقرار العام على الفتن والانقسامات، وهو ما عبّر عنه فقهاء المغرب في محطات تاريخية دقيقة، سواء في مواجهة التيارات التي اعتُبرت مهددة للوحدة، أو في الدفاع عن الشرعية، أو في دعم تماسك الدولة أمام محاولات الاختراق الخارجي أو الفتنة الداخلية.

ورغم قوة حضوره، لم يكن المذهب المالكي في المغرب مذهب انغلاق أو قطيعة مع بقية المذاهب السنية، بل ظل متكاملًا معها، يشترك معها في الأصول والكليات، ويختلف معها في بعض الفروع اختلافًا معتبرًا، حيث إن المشترك بين المالكية وبقية المذاهب أوسع بكثير من المختلف فيه. فالجميع يرجع إلى القرآن والسنة والإجماع والقياس، ويشترك في المبادئ الكبرى مثل تعليل الأحكام، ومراعاة المقاصد، والعمل بالقواعد العامة، وهو ما يعكس وعيًا بأن الخلاف الفقهي يمكن أن يكون خلاف تنوع وتوسعة، لا خلاف نزاع وتمزيق.

كما يتميز المذهب المالكي باعتماده على أصول منهجية قوية، مثل عمل أهل المدينة، والاستصلاح، وسد الذرائع، ومراعاة العرف والعادة، ومراعاة الخلاف، وهي أصول أكسبته قدرة خاصة على فهم الواقع وضبط التحولات، وتخريج الأحكام بما يحفظ المقاصد والمصالح. ومن هذا المنطلق، لم يعد المالكي مجرد مذهب فقهي، بل أصبح إطارًا لتنظيم المجتمع، وحماية التوازن بين الثبات والتغير.

وإذا قُرئ هذا المسار بلغة معاصرة، أمكن القول إن المذهب المالكي أسهم في بناء ثقافة مواطنة داخل المجتمع المغربي، تقوم على حفظ الجماعة، واحترام النظام العام، وتقديم المصلحة المشتركة، والاحتكام إلى المرجعية الجامعة، والمساهمة في الإصلاح بدل إذكاء الفتن. كما أن أصوله، وخاصة المصالح المرسلة و”ما جرى به العمل”، دعمت وعيًا عمليًا يربط التدين بالمسؤولية، والانتماء بالاستقرار، والفقه بخدمة الناس.

 

Facebook
WhatsApp