وسطية – الرباط
أكد أحمد التوفيق، وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، على حرص الوزارة الوصية على تحقيق تنسيق متكامل وتجانس بنيوي بين منظومة التعليم العتيق وباقي مكونات المنظومة الوطنية للتربية والتكوين. وأوضح الوزير، في معرض جوابه عن الأسئلة الشفوية بمجلس النواب، أن التعليم العتيق يؤدي اليوم وظيفة أساسية ومحورية تتجلى في تمكين الملتحقين به من حفظ القرآن الكريم كاملاً، وهو ما يعد أحد الشروط الجوهرية والأساسية لإعداد أئمة وعلماء مؤهلين للاضطلاع بمهامهم الدينية والعلمية في المجتمع.
وفي السياق ذاته، أبرز المسؤول الحكومي أن الوزارة تعمل على ضمان هذا التكامل من خلال آليات متعددة؛ تشمل تعزيز حضورها في اللجان والهيئات الوطنية المختصة، وتفعيل التنسيق المشترك مع الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين، والجامعات، والمجالس العلمية المحلية. وينضاف إلى ذلك إبرام اتفاقيات شراكة مع وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، والمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، وكذا وزارة الصحة والحماية الاجتماعية. وكشف التوفيق أن الوزارة أسهمت بشكل فعال في مراجعة مناهج التربية الإسلامية وفق تصور وصفه بأنه غير مسبوق، يسعى إلى جعل المادة “تربية بنيوية” قادرة على معالجة القضايا الكونية والوجودية والإنسانية التي يحتاجها المتعلم في حياته اليومية.
وعلاقة ببرامج تطوير أساليب الدعوة والعناية بالمساجد، أفاد وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية بأن الوزارة تعتمد مقاربة شاملة ترتكز بالدرجة الأولى على تأهيل العنصر البشري، سواء تعلق الأمر بالعلماء أو الأئمة أو المرشدين والمرشدات، بالموازاة مع دعم المجالس العلمية المحلية وتنفيذ خطة التبليغ والتواصل. كما شدد على أهمية تعزيز الإشعاع العلمي داخل المساجد عبر الكراسي العلمية والدروس المنتظمة والبرامج التأطيرية، مشيراً إلى أن الوزارة واصلت تنظيم آلاف الأنشطة العلمية والدعوية خلال سنة 2025، بهدف تعزيز الوعي الديني وترسيخ قيم الاعتدال والوسطية.
وفي هذا الصدد، أبدى التوفيق مراهنة الوزارة الكبيرة على «خطة تسديد التبليغ»، واصفاً إياها بأنها ستكون “فتخاً كبيراً جداً بالنسبة لكل شأن ديني”. وزاد موضحاً أن هذه الخطة الطموحة ستعيد النظر في مختلف وسائل التبليغ الديني، وتجعل الخطاب الديني أكثر ارتباطاً بمنظومة الأخلاق وبالحياة الطيبة التي وعد الله بها عباده، حيث سيتولى العلماء بيان كيفية تحلي الناس بالإيمان والعمل الصالح. واعتبر الوزير أن الغاية الأسمى من تطوير الخطاب الديني لا تكمن في مجرد نقل وتلقين الأحكام، وإنما في توجيه المواطنين نحو السلوك القويم وتعزيز القيم الأخلاقية التي تحفظ تماسك المجتمع وتقوي روابطه في ظل التحولات الاجتماعية والثقافية المتسارعة.
أما بخصوص الشأن الديني لمغاربة العالم، فقد أكد التوفيق أن أفراد الجالية المغربية بالخارج ما زالوا متمسكين بشكل وثيق بالثوابت الدينية والوطنية للمملكة. واستدرك الوزير بالقول إن الحفاظ على هذا الارتباط المتين يتطلب اليوم اعتماد وسائل وآليات جديدة تتجاوز الصيغ التقليدية القائمة على الاقتصار على إرسال البعثات الدينية الموسمية، معتبراً أن إرسال هذه البعثات لم يعد كافياً وأصبح دوره رمزياً، ولا سيما خلال شهر رمضان المبارك، وهو ما دفع الوزارة إلى تبني مقاربة جديدة قوامها التواصل المستمر عبر الوسائط الرقمية واللغات الأجنبية.
وأوضح المسؤول الحكومي أن الوزارة شرعت فعلياً في إنتاج برامج حوارية وتفاعلية موجهة إلى المغاربة المقيمين بالخارج بلغات متعددة، مع تعزيز حضورها الرقمي عبر موقعها الإلكتروني الرسمي، وإطلاق تطبيق «المصحف المحمدي» الصوتي بأصوات قراء مغاربة لترسيخ المرجعية الوطنية. كما أشار إلى استثمار عملية «مرحبا» لتوزيع المصاحف وتنفيذ برامج التوعية الدينية، لافتاً إلى أن البرنامج الرقمي الجديد يبث يومياً لمدة ثلاث ساعات وبخمس لغات، لتمكين أكبر عدد من أفراد الجالية، بمختلف فئاتهم العمرية، من التفاعل المباشر مع العلماء المغاربة والإجابة عن انشغالاتهم الدينية.
وخلص وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية إلى أن المجالس العلمية بالخارج، وفي مقدمتها المجلس العلمي الموجود ببروكسيل، تؤدي أدواراً هامة في مواكبة أفراد الجالية وتأطيرهم، مؤكداً أن الوزارة أصبحت تأخذ بعين الاعتبار التغيرات الديمغرافية لواقع الهجرة، خصوصاً تعاقب الأجيال. وشدد على أن مخاطبة أبناء الجيلين الثالث والرابع تستوجب بوضوح اعتماد أساليب جديدة وآليات أكثر تفاعلية تتلاءم مع خصوصياتهم الثقافية والاجتماعية، وهو التوجه المعاصر الذي تسير فيه البرامج والمنصات الرقمية المستحدثة للوزارة.