بعد مرور عشر سنوات على إطلاقه، يجدد إعلان مراكش لحقوق الأقليات الدينية في العالم الإسلامي حضوره في النقاش الدولي حول الحرية الدينية والتعايش والحوار بين الأديان، مؤكداً المكانة التي راكمتها المبادرة المغربية منذ انطلاقها بوصفها إطاراً فكرياً وأخلاقياً يسعى إلى بناء جسور الثقة بين أتباع الديانات والثقافات المختلفة.
وجاء استحضار الإعلان خلال لقاء احتضنته مدينة الدار البيضاء، وجمع علماء ومفكرين وأكاديميين ودبلوماسيين وشخصيات دينية من دول مختلفة، في مناسبة شكلت فرصة لتقييم مسار الوثيقة بعد عقد من صدورها، واستشراف قدرتها على مواكبة التحولات المتسارعة التي يعرفها العالم.
وتكتسب هذه العودة إلى إعلان مراكش أهمية خاصة في سياق دولي يتسم بتزايد التوترات والاستقطابات الهوياتية والدينية، وتصاعد بعض خطابات الكراهية والتطرف، بما يجعل الحاجة إلى آليات فكرية وأخلاقية قادرة على تدبير الاختلاف وترسيخ ثقافة الاحترام المتبادل أكثر إلحاحاً.
وفي هذا السياق، أكد وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، أحمد التوفيق، أن الإسلام أرسى منذ بداياته مبادئ واضحة في احترام الاختلاف وقبول التعددية والدعوة إلى الحوار بالحكمة، مشدداً على أن قيم التسامح ليست مفهوماً طارئاً، وإنما تجد امتدادها في المرجعية الإسلامية الداعية إلى نبذ الكراهية وإقرار الاحترام المتبادل بين الناس على اختلاف معتقداتهم وثقافاتهم.
وأوضح التوفيق أن ترسيخ العيش المشترك لا يمكن أن يظل محصوراً في النصوص والمبادئ النظرية، بل ينبغي أن يتحول إلى ممارسة يومية وسلوك حضاري ينعكس على العلاقات داخل المجتمع، باعتبار الأخلاق والاحترام والتعاون عناصر أساسية في بناء مجتمعات مستقرة.
كما شدد على أن ممارسة الحرية الدينية ينبغي أن تتم في إطار احترام النظام العام للدول، بعيداً عن التوظيف السياسي أو الحسابات الظرفية، وأن تتحول إلى مدخل لتعزيز التواصل الثقافي وبناء جسور الثقة بين الحضارات والشعوب.
ومن جانبه، استعاد الشيخ عبد الله بن بيه، رئيس منتدى أبوظبي للسلم، الظروف التي رافقت إطلاق إعلان مراكش سنة 2016، مبرزاً أن المبادرة جاءت في مرحلة اتسمت بتنامي الصراعات ذات الخلفيات الدينية وتصاعد الخطابات المتطرفة، وهو ما استدعى بلورة مرجعية دينية وأخلاقية تستند إلى قيم المواطنة والتعايش.
وأشار بن بيه إلى أن الإعلان تجاوز خلال السنوات الماضية حدود الوثيقة الفكرية، ليصبح حاضراً في عدد من النقاشات والمبادرات الدولية المرتبطة بالحرية الدينية وصون التنوع الثقافي والحوار بين أتباع الأديان.
وتوقف المتدخلون كذلك عند المكانة التي راكمها المغرب في مجال الحوار الديني، معتبرين أن اختيار المملكة لاحتضان إعلان مراكش لم يكن منفصلاً عن تجربتها التاريخية في تدبير التعدد الديني والثقافي، وعن النموذج المغربي القائم على الاعتدال والتوازن والانفتاح.
وفي السياق ذاته، اعتبر سفير دولة الإمارات العربية المتحدة لدى المملكة المغربية، سعيد أحمد الظاهري، أن إعلان مراكش تحول إلى نموذج دولي في نشر قيم التسامح والأخوة الإنسانية، مؤكداً أهمية التعاون المغربي الإماراتي في دعم المبادرات الرامية إلى تعزيز الأمن الفكري وترسيخ خطاب ديني معتدل يواجه التطرف والانغلاق.
بدوره، أكد محمد السنوسي، عضو مجلس أمناء منتدى أبوظبي للسلم، أن قوة إعلان مراكش ترتبط بالمرجعية التي اكتسبها وبالبيئة المغربية التي احتضنته، بما تتميز به المملكة من تجربة في الاعتدال والتعايش والانفتاح الحضاري.
ويعيد مرور عقد على إعلان مراكش طرح سؤال الانتقال من المبادئ إلى الممارسة؛ فالتحدي لم يعد مقتصراً على إنتاج الخطابات الداعية إلى التسامح، وإنما أصبح مرتبطاً بقدرة المؤسسات الدينية والثقافية والتربوية على تحويل هذه القيم إلى ممارسات مجتمعية مستدامة.
وبذلك، لا تبدو الذكرى العاشرة لإعلان مراكش مجرد محطة لاستحضار وثيقة صدرت سنة 2016، بقدر ما تشكل مناسبة لتجديد النقاش حول مستقبل الحوار بين الأديان في عالم تتسع فيه مساحات الاستقطاب. وفي قلب هذا النقاش، يواصل النموذج المغربي تقديم مقاربة تجعل الاعتدال وصيانة التنوع واحترام الخصوصيات وبناء الثقة مرتكزات أساسية لتحقيق السلم والتعايش بين المجتمعات.