الاشعرية

تحتل العقيدة الأشعرية مكانة مركزية في البناء الديني للمغرب، لا بوصفها مجرد مدرسة كلامية ظهرت في سياق تاريخي معين، بل باعتبارها أحد الأعمدة التي أسهمت في ترسيخ التوازن العقدي وصياغة التدين المغربي المعتدل. فقد تضافرت الأشعرية، عبر القرون، مع المذهب المالكي والتصوف السني في إنتاج انسجام مذهبي وسلوكي جنّب المغرب كثيرًا من الاضطرابات العقدية التي عرفتها بيئات أخرى من العالم الإسلامي، وأسهم في بناء نموذج ديني قائم على الاعتدال والتوازن.

وتُفهم العقيدة، في أصل معناها، باعتبارها ما ينعقد عليه القلب من الإيمان الجازم الذي لا يدخله شك، وتشمل أركان الإيمان المعروفة من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره. غير أن هذا البعد العقدي في التصور الإسلامي لا يقتصر على كونه معارف نظرية مجردة، بل يتجاوز ذلك ليشكّل أساسًا موجّهًا للفكر والعبادة والسلوك والعلاقات الاجتماعية، حيث يرتبط الإيمان بالعمل، وتُعتبر الأخلاق والعبادات من مقتضياته وآثاره.

وينتسب المذهب الأشعري إلى الإمام أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، الذي وُلد بالبصرة سنة 270هـ، وتكوّن علميًا في بيئة كلامية قوية، قبل أن ينتهي بعد مراجعة فكرية عميقة إلى مفارقة الاعتزال، وبناء منهج جديد في الدفاع عن عقيدة أهل السنة والجماعة. وقد تميز هذا المنهج بقدرته على الجمع بين الوفاء للنصوص الشرعية والانفتاح على أدوات النظر العقلي، فكان للأشعري دور حاسم في إعادة التوازن إلى الساحة العقدية في مرحلة اشتد فيها الجدل بين الاتجاهات المتصارعة، حتى ارتبط اسمه عند كثير من العلماء بلقب “ناصر السنة”.

وتقوم العقيدة الأشعرية على جملة من الأصول المنهجية التي منحتها القدرة على الاستمرار والانتشار، في مقدمتها اعتبار النصوص الشرعية المصدر الرئيس للعقيدة، مع احترام ظاهرها ابتداءً، وعدم اللجوء إلى التأويل إلا حين تدعو ضرورة التنزيه إلى صرف المعنى عن ظاهره المتوهم للتشبيه. كما تؤكد الأشعرية أن العقل الصحيح ليس خصمًا للوحي، بل أداة لفهمه وتأييد معانيه والبرهنة عليها، وهو ما أتاح لها تحقيق توازن دقيق بين الإثبات والتنزيه، فرفضت التعطيل كما رفضت التجسيم، ووقفت موقفًا وسطًا في قضايا الإيمان والعمل والحكم على مرتكب الكبيرة.

وقد برزت هذه الوسطية بشكل واضح في عدد من القضايا العقدية الكبرى، حيث أثبتت الأشعرية الصفات الإلهية على وجه يليق بالله من غير تشبيه، وقررت أن القرآن كلام الله القديم من حيث هو صفة قائمة بذاته، مع التمييز بين الكلام النفسي والألفاظ الحادثة، وأثبتت رؤية المؤمنين لله في الآخرة من غير تكييف ولا تجسيم. كما قررت أن العبد مكتسب لأفعاله مع بقاء الخلق لله تعالى، وذهبت إلى أن مرتكب الكبيرة لا يخرج من الإيمان بالكلية، بل يبقى مؤمنًا بإيمانه فاسقًا بكبيرته، وأمره إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه.

وتكمن إحدى أهم خصائص الأشعرية في كونها مدرسة وسطية، ظهرت في سياق صراع بين اتجاهات غلبت العقل إلى حد تقديمه على النصوص، وأخرى جمدت على الظواهر ورفضت توظيف النظر العقلي في الدفاع عن العقيدة. فجاءت الأشعرية لتؤكد أن النقل الصحيح لا يعارض العقل الصريح، وأن الوحي هو الأصل، لكن العقل وسيلة معتبرة في الفهم والاستدلال وإبطال الشبهات. ومن هنا لم تكن الأشعرية مجرد بناء نظري في علم الكلام، بل تحولت إلى آلية فكرية لحماية الجماعة المسلمة من التمزق العقدي، وصياغة خطاب ديني قادر على مواجهة الانحراف دون السقوط في الغلو المضاد.

وقد انتقل الفكر الأشعري إلى الغرب الإسلامي عبر إفريقية والقيروان، ثم عبر العلماء والرحلات العلمية إلى الأندلس والمغرب، حيث أسهم عدد من الأعلام في ترسيخه، مثل أبي الحسن القابسي وأبي عمران الفاسي، ومن تأثروا بالقاضي أبي بكر الباقلاني. أما في المغرب الأقصى، فقد كان انتشاره تدريجيًا، نظرًا لعدم حدة التعدد العقدي في بداياته، غير أنه تعزز منذ القرن السادس الهجري بفضل جهود العلماء، حتى أصبح المرجع العقدي الغالب، خاصة مع إسهامات شخصيات علمية مثل القاضي عياض وأبي عمرو السلالجي، ثم الإمام السنوسي الذي أصبحت متونه، وعلى رأسها “أم البراهين”، من أهم المراجع المعتمدة في تدريس العقيدة بالمغرب عبر أجيال متعاقبة .

وقد ترسخت العقيدة الأشعرية في المغرب ضمن نسق ديني متكامل يجمع بين عقيدة الأشعري وفقه مالك وسلوك الجنيد، وهو نسق لم يكن مجرد تجاور شكلي، بل بناء منسجم يشترك في مرجعية النص، ويوازن بين الظاهر والباطن، وبين العقل والنقل، وبين العلم والعمل والتزكية. وقد أتاح هذا التكامل للمغاربة بناء نموذج ديني متوازن، حيث تؤطر العقيدة الإيمان، وينظم الفقه العمل، ويزكي التصوف السلوك، في إطار وحدة مرجعية تسهم في حفظ الجماعة وصيانة الاستقرار.

ولم تُنظر إلى الأشعرية في هذا السياق بوصفها مجرد تراث مدرسي أو مادة من مواد علم الكلام، بل باعتبارها جزءًا من الذاكرة الدينية العميقة للمغرب، وعنصرًا بنيويًا في تشكيل هويته المذهبية والسلوكية. فقد قدمت للمغاربة لغة عقدية سنية، عقلانية في برهانها، نصية في مرجعيتها، معتدلة في نتائجها، ومنسجمة مع بقية الثوابت الدينية، وهو ما جعلها قادرة على الاستمرار بوصفها منهجًا في الجمع والتوازن، لا منظومة خصومة أو انغلاق

Facebook
WhatsApp