في تامسولت، نواحي تارودانت، لا يحضر التعليم العتيق بوصفه أثرًا من الماضي، بل بوصفه حياةً تتجدد في أصوات الصغار، وفي وجوه الفتيات الحافظات، وفي تلك السكينة التي تمنح للمكان معناه العميق. هناك، حيث يمتزج القرآن بذاكرة سوس العالمة، تبدو الطفولة وهي تحمل كتاب الله صورةً نادرة من صور الجمال الروحي المغربي؛ جمال لا يرفع صوته، لكنه يترك أثره في القلب.
ويمنح حضور طالبات “دار الفقيهة للبنات بتامسولت ” بعدًا إنسانيًا خاصًا لهذا الموعد القرآني. فالأمر لا يتعلق فقط بموسم ديني أو مناسبة محلية، بل بصورة مضيئة عن علاقة الفتاة المغربية بالعلم الشرعي منذ الصغر، داخل بيئة تربوية تحفظ القرآن، وتغرس الأدب، وتصون الصلة الهادئة بين الدين والمجتمع.
ومن خلال دار الفقيهة للبنات، إلى جانب مدرسة تامسولت للبنين، تتأكد مكانة التعليم العتيق باعتباره فضاءً مفتوحًا لحفظ القرآن وتلقي مبادئ العلم الشرعي وفق الثوابت الدينية المغربية، وفي مقدمتها المذهب المالكي. فالفقيهة هنا ليست مجرد معلمة، بل حارسة لذاكرة تربوية مغربية جعلت من القرآن أول طريق إلى تهذيب اللسان، وتربية القلب، وتقويم السلوك.
إن أجمل ما يكشفه موسم تامسولت هو أن خدمة القرآن لا تنحصر في الخطب والاحتفالات، بل تبدأ أحيانًا من طفلة تحفظ آيات الله في هدوء، ومن أسرة تفرح بأن ابنتها صارت قريبة من كتاب الله، ومن مدرسة عتيقة ما زالت تؤمن بأن بناء الإنسان يبدأ من الكلمة الطيبة، والتلاوة الصحيحة، والأدب قبل الادعاء.
لهذا تبدو فتيات تامسولت، وهن يشاركن في هذا الأفق القرآني، أكثر من مجرد مشهد عابر؛ إنهن عنوان لاستمرار تقليد مغربي عريق، تسهم فيه المرأة منذ طفولتها في حمل الذاكرة الروحية للمجتمع. ومن جبال تارودانت، تعود هذه الصورة لتذكرنا بأن القرآن حين يسكن القلوب الصغيرة، يصنع مستقبلًا أكثر طمأنينة، وأشد اتصالًا بالجذور، وأجمل حضورًا في الحياة