وسطية_ ابن أبي البركات
عاد وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، أحمد التوفيق، التأكيد على أن علاقة المغاربة بالرسول محمد ﷺ ليست مجرد علاقة وجدانية عابرة، ولا احتفاءً موسميًا يرتبط بالمناسبات الدينية، بل هي امتداد تاريخي وروحي عميق، تشكل عبر قرون طويلة في الوجدان المغربي، وترجم نفسه في العلم، والذكر، والصلاة على النبي، والاختيارات الدينية الجامعة للمملكة.
وجاءت كلمة التوفيق في سياق ندوة علمية حول السيرة النبوية، حيث دعا إلى النظر إلى السيرة لا بوصفها سردًا تاريخيًا للوقائع والغزوات فحسب، بل باعتبارها مشروعًا أخلاقيًا وحضاريًا متكاملًا، يهدف إلى بناء الإنسان، وترسيخ قيم الرحمة والعدل والسلام. وهي زاوية تبدو، في نظر الوزير، ضرورية اليوم من أجل تقريب السيرة من الأجيال الجديدة بلغة قادرة على مخاطبة أسئلتها وتحولاتها الفكرية والثقافية.
وفي حديثه عن خصوصية العلاقة المغربية بالنبي ﷺ، وصف التوفيق هذا الامتداد الروحي بأنه ملحمة كبرى في محبة الرسول الكريم، ملحمة لم تبق حبيسة العاطفة، بل تجلت في مسارات تاريخية وثقافية ومؤسساتية متعددة، جعلت من المحبة النبوية عنصرًا أصيلًا في تشكيل الهوية الدينية للمغرب.
واستحضر الوزير، في هذا الباب، رواية ذات حضور رمزي في الذاكرة المغربية، تتعلق بوفد من قبائل أمازيغية عُرفت باسم ركراكة ، تذكر بعض الروايات أنهم بلغتهم أخبار بعثة النبي ﷺ عن طريق الشام، فشدوا الرحال للقائه. وتورد هذه الرواية أن النبي خاطبهم بلغتهم الأمازيغية، ومنحهم كتابًا احتفظوا به ودفنوه في منطقة سيدي شيكر قرب تانسيفت، حيث استمر موسم ديني في المكان لقرون. ولا تكمن أهمية هذه الرواية، كما يفهم من كلام الوزير، في بعدها التاريخي وحده، بل في ما تحمله من دلالة رمزية على حضور محبة النبي في الوجدان المغربي منذ البدايات الأولى لدخول الإسلام إلى البلاد.
ومن هذه المحطة الرمزية، انتقل التوفيق إلى محطة سياسية وروحية كبرى، هي تأسيس الدولة الإدريسية بعد استقبال إدريس بن عبد الله بالمغرب، معتبرًا أن هذا الاختيار عبّر عن تعلق خاص بآل البيت، لا من باب الانغلاق المذهبي، بل من باب محبة النبي ﷺ والتشبث بالتشرع والسنة. وقد رأى الوزير أن هذه اللحظة أسست لما سماه إمارة آل البيت في المغرب، بما حملته من معنى توحيدي وروحي داخل الاجتماع المغربي.
كما توقف التوفيق عند مرحلة الدول الأمازيغية، حيث تعزز حضور السنة النبوية في المغرب، واستحضر في هذا السياق شهادة أبي بكر الطرطوشي في تمسك أهل المغرب بالسنة والجماعة. وفي المسار نفسه، أبرز مكانة مؤلفات مغربية كبرى، مثل الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض، باعتبارها نصوصًا أسهمت في ترسيخ المحبة النبوية في الوجدان الجماعي، وفي تحويل السيرة إلى مصدر للأدب والتربية والارتباط القيمي بالنبي ﷺ.
وفي السياق ذاته، أعطى التوفيق أهمية خاصة لكتاب دلائل الخيرات لأبي عبد الله الجزولي، الذي تحول في المغرب إلى أحد أعظم النصوص الروحية حضورًا في حياة الناس، لما مثله من ربط يومي بين المؤمن والصلاة على النبي ﷺ، ومن تحويل المحبة النبوية إلى ممارسة روحية متكررة في البيوت والزوايا والمجالس.
أما في مستوى الشرعية السياسية والرمزية، فربط الوزير بين محبة آل البيت وبين مبايعة الشرفاء السعديين ثم العلويين، معتبرًا أن اختيار المغاربة للشرفاء جاء في سياق البحث عن قوة جامعة ومحايدة بين العصبيات والمكونات الثقافية، وهو ما جعل المحبة النبوية حاضرة في بناء الوحدة الدينية والسياسية للمغرب.
ولم يقف التوفيق عند البعد التاريخي وحده، بل انتقل إلى سؤال تقديم السيرة في زمن الصورة والوسائط الحديثة. فاعتبر أن عرض السيرة النبوية في حوامل بصرية معاصرة يمكن أن يشكل إبداعًا فنيًا دينيًا، متى حافظ على الوقار والمعنى، لأنه يقرب شخصية النبي ﷺ وقيم رسالته من الأجيال الجديدة، ويجعل السيرة أكثر حضورًا في الوعي المعاصر.
وفي محور موجه إلى الشباب، شدد الوزير على أن الجيل الجديد يواجه أسئلة فكرية وثقافية غير مسبوقة، ويتفاعل مع مفاهيم عالمية مثل الحرية، والعدالة، والمسؤولية، والعيش المشترك. لذلك، فإن تقديم السيرة لهؤلاء لا ينبغي أن يقتصر على نقل الروايات، بل يجب أن يكشف ما تحمله الرسالة النبوية من قيم إنسانية كبرى، قادرة على مخاطبة العقل والوجدان معًا.
وفي هذا الإطار، تحدث التوفيق عن ضرورة تسديد التبليغ ، أي جعل الخطاب الديني قائمًا على الحكمة والتزكية وربط القول بالعمل. فليست مهمة العلماء، في نظره، مجرد تكرار النصوص، بل تقديمها بما يجعلها قادرة على إصلاح الإنسان من الداخل، وتحريره من الأنانية التي عدّها من صور النفس الأمارة بالسوء في السياق المعاصر.
ومن بين النقاط اللافتة في كلمة الوزير تأكيده أن النبي ﷺ لم يُبعث جابيًا ولا غازيًا وإنما هاديًا . وهي عبارة تختصر دعوة واضحة إلى تحرير السيرة من القراءات التي تختزلها في مشاهد الحرب أو وقائع الصراع، وإعادتها إلى مقصدها الأصلي: الهداية، والرحمة، والعدل، وإصلاح الإنسان. كما شدد على ضرورة التمييز بين جوهر الرسالة النبوية وبعض الانحرافات التي عرفها التاريخ الإسلامي لاحقًا.
ومن هذه الزاوية، دعا التوفيق إلى نقد منهجي للكتابات التي تجعل الغزوات مركز السيرة أو تنشغل بالجزئيات على حساب القيم الكبرى، مبرزًا أن جهاد النبي ﷺ كان دفاعًا عن قضية عادلة ورفضًا للإكراه في الدين، في انسجام مع قوله تعالى: ﴿لا إكراه في الدين﴾.
وتكتسب هذه الدعوة أهمية خاصة في زمن يعيش فيه العالم تحولات سياسية وتكنولوجية عميقة، من بينها صعود الذكاء الاصطناعي وتغير معنى الإنسان والحياة. وفي هذا السياق، يرى التوفيق أن الإنسانية ما تزال في حاجة إلى القيم التي جاءت بها السيرة النبوية، خصوصًا ما يتعلق بتهذيب السلوك، وبناء المعنى، وربط العلم بالأخلاق.
إن ما تفتحه كلمة وزير الأوقاف هو أفق أوسع من مجرد التأريخ لمحبة المغاربة للنبي ﷺ؛ إنها دعوة إلى تحويل هذه المحبة إلى وعي، وإلى نقل السيرة من مجال الحفظ والتكرار إلى مجال الفهم والعمل. فمحبة النبي لا تكتمل بالاحتفاء اللفظي وحده، بل تظهر في الرحمة، والعدل، والتواضع، وحسن المعاملة، وتزكية النفس، وخدمة الناس.
ومن هنا، تبدو الخصوصية المغربية في التعلق بالنبي ﷺ خصوصية جامعة بين الوجدان والسلوك؛ فقد عبّر المغاربة عن هذه المحبة في المواسم، والصلوات، والمؤلفات، والزوايا، وفي اختياراتهم الدينية والتاريخية، لكنها بقيت، في عمقها، محبة تتجه إلى الاقتداء، لا إلى مجرد العاطفة.
وبذلك، تعيد كلمة أحمد التوفيق التذكير بأن السيرة النبوية، حين تُقدَّم في جوهرها الهادي والرحيم، تستطيع أن تخاطب الإنسان المعاصر، وأن تمنح الشباب مدخلًا لفهم الدين بوصفه بناءً للإنسان، لا عبئًا عليه؛ رحمةً للعالمين، لا مادة للسجال؛ وأفقًا للسكينة والعدل والمعنى، لا مجرد ذاكرة بعيدة في كتب التاريخ.