لا يُنظر في المدرسة المالكية إلى البيعة باعتبارها مجرد إجراء سياسي أو طقس بروتوكولي، وإنما بوصفها عقداً شرعياً تُستحضر فيه مقاصد الشريعة قبل مظاهر السلطة، وتتقدم فيه مصلحة الأمة على إرادات الأفراد، ويكون الغرض منه حفظ الدين، وصيانة الجماعة، ومنع الفتنة، وإقامة العدل. ولهذا اكتسبت البيعة في التجربة المغربية منزلة خاصة، لأنها ظلت مرتبطة بإمارة المؤمنين، التي جمعت بين رعاية الدين وسياسة الدنيا على مقتضى الشرع.
وقد قرر فقهاء المالكية أن اجتماع الكلمة من أعظم مقاصد الشريعة؛ لأن التفرق باب الفتن، والاختلاف إذا تحول إلى تنازع أهلك العمران، وأضعف سلطان الأمة، وأفسح المجال للعدوان عليها. ولذلك كان الإمام مالك رحمه الله شديد العناية بمبدأ لزوم الجماعة، مستنداً إلى النصوص الشرعية التي جعلت الاعتصام بحبل الله، ووحدة الصف، من أعظم الواجبات.
ويؤكد القرآن الكريم هذا الأصل بقوله تعالى: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا﴾ [آل عمران: 103]، كما يقول سبحانه: ﴿ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم﴾ [الأنفال: 46]. فالخطاب القرآني لا ينهى عن التنازع لذاته فحسب، وإنما لما يترتب عليه من ضياع القوة، وذهاب المنعة، واختلال نظام الأمة.
وفي السنة النبوية جاءت نصوص كثيرة تؤكد هذا المعنى، من أشهرها قوله صلى الله عليه وسلم: «يد الله مع الجماعة»، وقوله: «من فارق الجماعة شبراً فمات، مات ميتة جاهلية»، وهي نصوص فهمها علماء المالكية في إطار المحافظة على وحدة الأمة، وصيانة نظامها العام، لا في إطار تعطيل النصيحة أو إسقاط واجب الإصلاح المشروع.
ولهذا اعتبر الإمام أبو إسحاق الشاطبي، وهو من كبار أئمة المالكية، أن حفظ الجماعة مقصد شرعي عظيم، وأن كل اجتهاد يؤدي إلى تمزيق الأمة أو فتح أبواب الفتن يصادم روح الشريعة وإن وافق بعض المصالح الجزئية. فالشريعة في نظره جاءت لجمع الكلمة قبل كل شيء، لأن المصالح الكبرى لا تقوم إلا باستقرار الجماعة وانتظام أمرها.
وفي المغرب، لم تكن البيعة مجرد نقل لهذه الأحكام الفقهية، بل أصبحت جزءاً من الشخصية الدينية والوطنية للمملكة. فقد تعاقبت الدول، وتغيرت الظروف، وبقيت البيعة عنواناً لاستمرار الدولة ووحدة الأمة، وتجسيداً للعلاقة بين إمارة المؤمنين والرعية في إطار المرجعية المالكية التي جعلت حفظ الدين، والنفس، والوطن، والأمن، من أعظم المقاصد.
ومن هذا المنطلق، يكتسب عيد العرش بعداً يتجاوز الاحتفال بذكرى تاريخية، ليصبح مناسبة يتجدد فيها استحضار نعمة الاجتماع، واستمرار الدولة، ووحدة الأمة، وهي معانٍ يقررها الفقه المالكي باعتبارها من أعظم المصالح العامة التي يجب المحافظة عليها.
إن البيعة، في التصور المالكي، ليست غاية في ذاتها، وإنما وسيلة لتحقيق مقاصد أسمى: إقامة العدل، وصيانة الحقوق، وحفظ الأمن، وتحقيق الاستقرار، وتمكين الناس من عبادة ربهم في طمأنينة وسكينة. ولذلك ظل فقهاء المغرب عبر العصور ينظرون إلى إمارة المؤمنين باعتبارها المؤسسة التي تحفظ وحدة المرجعية الدينية، وتسد أبواب التنازع في شؤون الدين، وتجمع الأمة على كلمة سواء.
وعندما يحتفل المغاربة بعيد العرش، فإنهم يستحضرون قبل كل شيء قيمة الوفاء للعهد، ونعمة الاجتماع، واستمرار الدولة، وهي قيم رسختها المدرسة المالكية في وجدان الأمة، وربطتها بمقاصد الشرع، وبحفظ المصالح العامة، وبدرء الفتن، حتى غدت البيعة في التجربة المغربية عنواناً لوحدة الدين والوطن، وجسراً يصل التاريخ بالحاضر، ويؤسس للمستقبل في ظل الثوابت الدينية والوطنية التي أجمع عليها المغاربة عبر القرون.